محمد متولي الشعراوي
1586
تفسير الشعراوى
لخصوم الإسلام حجة فيقولون : « إن دينكم انتشر بإكراه السيف » ولذلك نقول لهم : لا ، إن أحدا لم يسلم كرها أبدا ؛ لأن السيف إنما رفع لشئ واحد هو حماية حرية الاختيار . إن السيف قد رفع ليمنع الإكراه ، وليمنع تسلط بعض الناس بقوتهم ليجبروا الناس على عقائدهم فقال لهم السيف : « قفوا عند حدكم ، ودعوا الناس أحرارا في اختيار ما يعتقدون » ، ودليل ذلك أن البلاد التي فتحها الإسلام تجد فيها غير المسلمين ، ولو كان الأمر فتحا بالسيف لما وجدنا ديانات أخرى . غير الإسلام ، نجدهم أيضا يتشدقون بذلك ويزيدون « إنكم تفرضون جزية » . ونقول لهم : أنتم تردون على أنفسكم ، نحن لم نفرض جزية على المؤمن ولكن الكافر تركناه على كفره ، والجزية يدفعها الكافر ليدافع عنه المؤمنون لو أصاب البلاد مكروه . إذن فكيف نفهم قوله الحق بأن هناك من أسلم كرها ؟ نحن نفهمها كالآتى : إن الإنسان هو الذي انقسمت عنده المسائل ، وفيه أمور تدخل في فعله ومراداته ، وفيه أمور تحدث قهرا عنه ، وتحدث له بلا إرادة ولا اختيار ، فالإنسان يكون مختارا في الفعل الذي يقع منه ، أما الفعل الذي يقع عليه أو فيه فلا دخل له فيه بالاختيار ؛ إن أحدا منا لا يختار يوم ميلاده ، أو يوم وفاته أو يوم إصابته بالمرض ، والإنسان الذكي هو الذي يعرف ذلك ونقول للإنسان الذي لا يعرف أو يتجاهل ذلك : أيها الإنسان دعك من الغباء ؛ إن هناك زوايا من حياتك أنت مجبر فيها على أن تكون مسلما للّه كرها إنك تسلم للّه دون إرادتك في كثير من الأمور التي تقع عليك ، ولا تستطيع لها دفعا ، فلماذا تقف في الإسلام عند زاوية الاختيار ؟ إن المسخرات كلها مسلمة للّه ، والإنسان فيما يقع فيه أو عليه من أمور لا يستطيع دفعها . هو تسليم للّه كرها من الإنسان ، وهكذا نرى أن قيادة التسخير فيما ليس لك دخل فيه أيها الإنسان هي مسلمة للّه ، مثلك في ذلك مثل كل الكائنات ، أفلا يجب عليك أن تسلم بكل زوايا حياتك ؟ فلو كان هناك إنسان كافر بكل ما فيه من أبعاض فعلى هذا الكافر ألا يسلم بأي شئ من جوارحه ؛ هل يستطيع أن يمنعها من أن تؤدى عملها ؟